فصل: سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء **


 سنة ثلاثين وخمسمائة

فيها أخرج بهرام الأمير رضوان بن ولخشى من القاهرة لولاية عسقلان وقيل بل كان خروجه في سلخ رجب من السنة الماضية‏.‏

فلما وصل إليها وجد فيها جماعة من الأرمن قد وصلوا في البحر يريدون القاهرة فناكدهم ومنع كثيراً منهم فبلغ ذلك الوزير بهرام فشق عليه وصرفه عن عسقلان واستدعاه فقدم إلى القاهرة‏.‏

وشكره الناس على منعه الأرمن من الوصول إلى القاهرة فلم يطق بهرام إقامته معه فولاه الغربية في صفر إبعاداً له عنه‏.‏

وفيها ملك رجار بن رجار ملك صقلية جربة ونازل طرابلس الغرب فانهزم عنها سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة فيها تكاثر حضور أقارب بهرام وإخوته وأهله وقومه ومجيئهم من ناحية تل باشر وكانوا مقيمين بها ولهم فيها كبير منهم يتولى أمرهم وقدموا أيضا بلاد الأرمن حتى صار منهم بديار مصر نحو الثلاثين ألف إنسان‏.‏

فعظم ضررهم بالمسلمين وكثرت استطالتهم واشتد جورهم وتظاهروا بدين النصرانية وأكثروا من بناء الكنائس والديارات وصار كل رئيس منهم يبني له كنيسةً بجوار داره‏.‏

وتفاقم الأمر‏.‏

فخاف الناس منهم أن يغيروا الملة الإسلامية ويغلبوا على البلاد فيردوها دار ووردت الأخبار من قوص بأن الباساك أخا بهرام قد جار على الناس واستباح أموالهم وبالغ في أذيتهم وظلمهم فاشتد ذلك على الناس وعظم على الأمراء ما نزل بالمسلمين فبعثوا إلى أبي الفتح رضوان بن ولخشى وكان مقدماً فيهم لكثرة نعوته بفحل الأمراء وهو يومئذ يتولى بالغربية يشكون إليه ما حل بالمسلمين ويستحثونه على المصير وإنقاذهم مما نزل بهم‏.‏

فلما وصلت إليه كتب الأمراء تشمر لطلب الوزارة ورقى المنبر خطيبا بنفسه فخطب خطبة بليغةً حرض فيها الناس على الجهاد في سبيل الله والاجتماع لقتال بهرام وشيعته النصارى من الأرمن‏.‏

وكان حينئذ بمدينة سخا ثم نزل وحشد الناس من العربان وغيرهم حتى استجاب له نحو من ثلاثين ألفا فأخرج لهم كتب الخليفة الحافظ إليه بالتقدم بالمسير ونزع الوزارة من يد بهرام إذ تبين أن ليس من أهل الملة‏.‏

وسار بهم إلى دجوة وبهرام لا ينزعج‏.‏

فلما قرب رضوان جمع بهرام الأرمن إليه وقال لهم‏:‏ اعلموا أننا قوم غرباء لم نزل نخدم هذه الدولة والآن فقد كثر بغضهم لأيامنا وما كنت بالذي أكون عبد قوم وأخدمهم من حال الصبا فلما بلغني الكبر أقاتلهم لا ضربت في وجوههم بسيف أبدا‏.‏

سيروا‏.‏

وأخذ أمراء الدولة وعساكرها يخرجون شيئاً بعد شيء إلى رضوان‏.‏

واجتمع بهرام بالخليفة وفاوضه في أمره فقال تحلبني الإسلام عليك‏.‏

فأيس حينئذ وجمع الأرمن وكانوا كلهم منقادين إليه لا يخالفونه في شيء من الأشياء وسار بهم نحو بلاد الصعيد يريد أخاه الباساك بقوص قاصداً أنه يجتمع به ويمضون إلى أسوان فيتملكونهما ويتقوون بالنوبة أهل دينهم‏.‏

وقد ذكر أن بهرام خرج يريد محاربة رضوان في عساكر مصر‏.‏

فلما وصل بعسكر القاهرة إلى رضوان رأوا المصاحف قد رفعها رضوان فوق الرماح فصاروا بأجمعهم إلى رضوان باتفاق كان بينهم وبينه من قبل ذلك فعاد بهرام إلى القاهرة وأخذ ما خف حمله وخرج من باب البرقية يوم الأربعاء وقت العصر حادي عشر جمادى الأولى وسار يريد الصعيد وقد أوسق المراكب بما يحتاج إليه‏.‏

فعندما رحل اقتحم رعاع الناس وأوباشهم إلى دار الوزارة فنهبوها وهتكوا حرمتها وعملوا كل مكروه فكان هذا أول نهب وقع في دار الوزارة‏.‏

وامتدت الأيدي إلى دور الأرمن التي كانوا قد عمروها بالحسينية خارج باب الفتوح فنهبوها ونهبوا كنيسة الزهري ونبشوا قبر البطرك أخي بهرام‏.‏

وطار خبر انهزام بهرام في سائر إقليم مصر فوصل الخبر بذلك إلى قوص قبل وصول بهرام فثار المسلمون بها على الباساك وقتلوه ومثلوا به وجعلوا في رجله كلباً ميتا وألقوه على مزبلة‏.‏

فلما كان بعد قتله بيومين قدم بهرام في طائفة الأرمن وهم نحو الألفي فارس رماة فرأى أخاه على المزبلة كما ذكر فقتل جماعةً من أهل قوص ونهبها‏.‏

وسار عنها إلى أسوان فنزل بالأديرة البيض وأما رضوان فإنه لما وصل إلى القاهرة وقف بين القصرين واستأذن الحافظ فيما يفعله فأشار بنزوله في دار الوزارة فنزلها وخلع عليه خلع الوزارة يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى ونعت بالسيد الأجل الملك الأفضل‏.‏

فاستدعى بالأموال من الخليفة وأنفق في الجند ومهد الأمر‏.‏

ورضوان أول وزير لقب بالملك‏.‏

فلما كن في اليوم الثالث من استقراره في الوزارة سير أخاه الأوحد إبراهيم ومعه العسكر شرقاً وغرباً والأسطول بحراً في طلب بهرام وبيده أمان له ليعود مكرماً وطائفته على إقطاعاتهم‏.‏

فسار إلى الأديرة وتقرر الحال من غير قتال على إقامة بهرام بها وذلك أن أسوان امتنعت عليه بكنز الدولة وأهلها فاضطر إلى الإقامة بالأديرة وقد فارقه أكثر الأرمن فمنهم من سار إلى بلاده ومنهم من أقام بأرض مصر ليكونوا فلاحين فسأل لهم مواضع يسكنونها فأفردت لهم جهات منها سمالوط وإبوان وأقلوسنا والبرجين في صعيد مصر وضيعة أخرى بأعمال المحلة‏.‏

وأقام بهرام بالأديرة البيض ومعه أهله وولده‏.‏

وفيها صرف أبو عبد الله محمد بن ميسر عن قضاء القضاة في يوم الأحد لسبع خلون من المحرم والوزير إذ ذاك بهرام ونفي إلى تنيس فأقام بها إلى يوم الاثنين ثاني ربيع الأول وقتل‏.‏

وهو من قيسارية وقدم منها مع أبيه وهو صغير في وزارة أمير الجيوش بدر الجمالي عند حضوره إلى المستنصر في سني الشدة وبعثه إلى البلاد الشامية لإحضار أرباب الأموال واليسار وكان من جملة من أحضر والد القاضي وكان له مال جزيل ففوض إليه خطابة الجامع بمصر وفتح دار وكالة وأقام بها مدة حتى مات‏.‏

فترقى ولده إلى أن ولي القضاء عدة مرار وكان له أفضال ومكارم وحصلت له وجاهة ورتبة جليلة وضرب دنانير كثيرة كان اقترحها على الخليفة الآمر‏.‏

وهو الذي أخرج الفستق الملبس بالحلوى فإنه بلغه أن أبا بكر محمد بن علي المادرائي عمل الكعك الذي يقال له افطن له وعمل عوضاً من حشو السكر دنانير فلما مد السماط في يوم العيد قال أحد الخدام لصديق له كان على السماط‏:‏ افطن له ففهم عنه وتناول من ذلك وصار يخرج الذهب من فمه ويخفيه حتى تنبه الناس لذلك فتناولوا بأجمعهم منه‏.‏

فأرادوا القاضي ابن ميسر أن تشبه بأبي بكر المادرائي في ذلك فعمل صحناً منه لكن جعل فستقا قد لبس حلوى وذلك الفستق من ذهب وأباحه أهل مجلسه ولم يقدر على علم ذلك سوى مرة واحدة‏.‏

ثم إنه لما تناهت مدته عاداه رجل يعرف بابن الزعفراني فنم عليه عند الحافظ بأن أحمد بن الأفضل لما كان قد اعتقل الحافظ وجلس للهناء ودخل عليه الشعراء كان فيهم علي بن عباد الإسكندري وأنه أنشد قصيدة يذم فيه خلفاء مصر ويذكر سوء اعتقادهم منها في ذم هذا سليمانكم قد ردّ خاتمه واسترجع الملك من صخر بن إبليس فعندما قال هذا البيت قام ابن ميسر وألقى عرضيته طرباً بهذا البيت‏.‏

فأمر الحافظ بإحضار هذا الشاعر وقال‏:‏ أنشدني قصيدتك‏:‏ فأنشدها إلى أن بلغ فيها إلى قوله‏:‏ ولا ترضوا عن الخمس المناحيس‏.‏

يعني الحافظ وابنيه وأباه وجده فأمر الغلمان بلكمه فلكموه حتى مات بين يديه‏.‏

وقبض على ابن ميسر ونفي ثم قتل‏.‏

وكان ينعت بجلال الملك وكانت علامته الحمد لله على نعمه‏.‏

وفيها مات أبو البركات بن بشرى الواعظ المعروف بابن الجوهري في جمادى الأولى عن إحدى وتسعين سنة‏.‏

وفيها ولي قضاء القضاة أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي عقيل ونعت بقاضي القضاة الأعز أبي المكارم‏.‏

وفيها ثار بناحية برقة رجل من بني سليم وادعى النبوة فاستجاب له خلق كثير وأملى عليهم قرآنا منه‏:‏ إنما الناس بالناس ولولا الناس لم يكن الناس والجميع رب الناس‏.‏

ثم تلاشى أمره وانحل عنه الناس‏.‏

وفيها جلس الوزير رضوان في ذي القعدة لاستخدام المسلمين في المناصب التي كانت بأيدي النصارى‏.‏

واستجد ديوان الجهاد واهتم بتقوية الثغور واستعد لتعمير عسقلان بالعدد والآلات وأشاع الخروج إلى الشام لغزو الفرنج وأظهر من الاعتناء بذلك ما لا يوصف‏.‏

وكان قد مهد الأمور وأعاد الناس إلى ما كانوا عليه من الطمأنينة بحسن سيرته وكثرة عدله وعمارته البلاد وقوة نفسه وشجاعته‏.‏

وأحضر جميع الدواوين وكتبها ورثبها ورتب الأمور أحسن تدبير‏.‏

وكان من جملة الضمان في أموال الدولة هبة الله بن عبد المحسن الشاعر فلما عرض حسابه وجد قد انكسر عليه مال في ضمانه فكتب له في المجلس‏:‏ أنا شاعرٌ وصناعتي الأدب وضمان مثلي المال لا يجب أنا مستميحكم وليس علي من جاء يطلب رفدكم طلب وإذا الباقي عليّ فما من حاصلٍ ورقٌ ولا ذهب فسامحه فيما عليه من الباقي‏.‏

وفيها أحضر من الصعيد الأعلى في رمضان جماعة تقدمهم رجل‏.‏

بجاوي يدعى فيه أصحابه أنه إله فصلبوا‏.‏

 سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة

فيها أفرج الوزير رضوان عن شمس الخلافة مختار الأفضلي صاحب باب بهرام من الاعتقال وولاه الإسكندرية‏.‏

فيها تشدد رضوا على الأنصاري من أصحاب بهرام وصادره وقتلهم بالسيف وأباد أكثرهم‏.‏

وتطلع إلى تقديم أرباب المعارف من أرباب السيوف والأقلام وأحسن إليهم وزاد في أرزاقهم‏.‏

ووجد نصرانياً قد توصل في أيام بهرام إلى ديوان النظر يعرف بالأخرم وبذل في كل يوم ألف دينار سوى المؤن والغرامات فآذى المسلمين وشق عليهم فصرفه رضوا واستخدم بدله رجلاً يقال له المرتضى المحنك بغير ضمان‏.‏

وتقدم إلى ديوان الإنشاء بانشاء سجل في الوضع من النصارى واليهود فأنشأه أبو القاسم ابن الصيرفي منعوا فيه من إرخاء الذوائب وركوب البغلات ولبس الطيالسة وأمر النصارى بشد الزنانير المخالفة لألوان ثيابهم وألا يجوزوا على معابد المسلمين ركبانا فما رئي في أيامه يهودي ولا نصراني يجوز على الجامع راكباً لكنه ينزل ويقود دابته‏.‏

وأمر أن يؤخذ الجزية من فوق مساطب وهم وقوف أسفلها‏.‏

ومنعهم من التكني بأبي الحسن وأبي الحسين وأبي الطاهر وأن يبيضوا قبورهم‏.‏

وضمن ذلك كله السجل فعمل به‏.‏

وفيها نزع السعر لتوقف النيل فنال الناس مجاعة فأمر الحافظ بفتح الأهراء والبيع منها على الناس بأوساط الأثمان فلم يمض الوزير بذلك وأخذ يهين حواشي الخليفة إذا حضروا إليه ويقدح في مذاهبه لأنه كان سنيا وكان أخوه الأوحد إبراهيم إماميا‏.‏

فلما كثر ذلك منه انزعج الخليفة ولم يظهر تغيراً وأخذ يعمل في الخلاص منه فتنافر كل منهما من الآخر‏.‏

وكان رضوان خفيفا طائشا لا يثبت فهم بخلع الحافظ وقال ما هو بخليفة ولا إمام وإنما هو كفيل لغيره وذلك الغير لم يصح‏.‏

وأحضر الفقيه أبا الطاهر ابن عوف وابن أبي كامل فقيه الإمامية وابن سلامة داعي الدعاة وفاوضهم في الخلع واستخلاف شخص عينه لهم وألزم كلاً منهم أن يقول ما عنده‏.‏

فقال ابن عوف‏:‏ الخلع لا يجوز إلا بشروط تثبت شرعا‏.‏

وقال ابن أبي كامل‏:‏ السلطان أبقاه الله يحملني على أن أتكلم على غير مذهبي في الإمامة‏.‏

قال‏:‏ لأجل عمل مذهبك فقال‏:‏ مذهبي معلوم يعني أن الإمامية للحاضر من إخوته ولأنه لا ينبغي لمن لم تكن له إمامة أن يخلع‏.‏

فخلص من هذا وقال الداعي‏:‏ أنا داعي ومولىً لهم وما يصح لي خلعه فإني أصير فيما مضى كأني أدعو لغير مستحق فأكون قد كذبت نفسي فلا أقبل الآن وأستخصم بذلك ولا يؤثر قولي فيما تريدون ولم تجر العادة على الفاطميين بخلع حتى نأتي به‏.‏

فقابله على هذا القول بالسب وإقامته أقبح قيام‏.‏

فقال الفقيه النحاس وكان حاضراً كل عظيمة وحمله على خلع الحافظ فبلغ ذلك المجلس الحافظ‏.‏

وفيها أحضرت من تنيس امرأة بغير ثديين في موضع ثدييها مثل الحلمتين فصارت إلى مجلس الوزير رضوان وأخبرته أنها تصنع برجليها جميع ما يعمل باليدين من رقم وخط وغير ذلك‏.‏

فجاء لها في المجلس بدواة فتناولت برجلها اليسرى الأقلام قلماً قلماً ثم تناولت السكين برجليها وبرت قلماً واستدعت ورقةً وأمسكتها برجلها اليمنى وكتبت بالرجل اليسرى رقعة بأحسن خط تكتبه النساء وحمدت الله في آخرها وناولتها الوزير فإذا فيها سؤال بأن يزاد في راتبها‏.‏

فوقع لها خلف الرقعة بما تسأل وأعادها إلى بلدها‏.‏

وفيها بنى الوزير رضوان المدرسة المعروفة به في ثغر الإسكندرية وجعل في تدريسها الفقيه أبا طاهر بن عوف‏.‏

 سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة

فيها زاد السعر وبلغ القمح ثلاثة دنانير للإردب فبيعت الغلال التي كان الأفضل خزنها وقد تغيرت وأرادوا رميها في النيل فكانت تقطع بالفئوس وتباع بأربعين ديناراً كل مائة إردب فيها كثر سعي الوشاة بين الحافظ والوزير فتخوف كل منهما من الآخر وقبض الوزير على عدة من خواص الحافظ منهم أبو المعالي بن قادوس وابن شيبان المنجم ورئيس اليهود وجماعة فقتلهم‏.‏

فسير الحافظ من أحضر إليه بهرام في رمضان فلما حضر أسكنه عنده بالقصر وأكرمه وشق ذلك على رضوان‏.‏

وكان الحافظ قد تلطف برضوان في أمر بهرام وقرر معه أ يستدعيه وينزله في القصر وحلف له أنه لا يوليه أمراً ولا يمكنه من تصرف فتسامح رضوان في أمره‏.‏

واستدعى فحضر بأهله وأنزل في دار بالقصر قريبة من المحول وهو قريب من سكن الحافظ فكان يستحضره في غالب الليالي ويستشيره ويعمل برأيه‏.‏

ولما كان يوم عيد الفطر ركب الوزير مع الحافظ وعليه من الملابس ما لم يلبسه أحد من الوزراء في مثل ذلك اليوم وعاد إلى القصر وفي نفس الحافظ منه أشياء تبينها رضوان في وجه الحافظ وعلمها منه فاشمأزت نفسه مع ما كان فيه من الطيش فركب في تاسع شوال وزحف إلى القصر فكلمه الخليفة من بعض طاقات المنظرة التي تطل على باب الذهب وجرى بينهما كلام اجترأ فيه على الخليفة‏.‏

وعاد إلى داره بعد أن احتاط بالقصر واحتفظ بالأبواب فانتفض الناس لذلك بالقاهرة ومصر وكثرت الأراجيف‏.‏

وفي تلك الحالة نزل بعض أولاد الحافظ من القصر هارباً إلى رضوان وكان شيخا ومعه ولد له ليقيمه خليفة فلم يكترث به وأحضر إسماعيل بن سلامة الداعي وقال له‏:‏ ما تقول في هذا الرجل هل يصلح لما التمسه فقال‏:‏ الخلافة لها شروط ونواميس ما في هذا منها شيء وتحتاج إلى نصوص ولولا أنم مولانا الآمر نص على مولانا الحافظ وأودعه سر الخلافة لما ثبتت فيه ولا استجاب له الناس‏.‏

فلم يحصل سوى أنه كان مشئوماً على نفسه وأهله فإن الحافظ لما بلغه ذلك قتله وقتل جماعة منهم كثيرة‏.‏

ثم إن الحافظ لما رأى فعل رضوان وتعديه وكثرة من انضم إليه من العسكر عمل في التدبير عليه وأرسل إلى صبي من الجند يعرف بشومان وكانت فيه شهامة وجرأة وهو من صبيان الخاص فأحضره إليه من أحد السراديب سراً وأرسله إلى علي بن السلار أحد أمراء الدولة يأمره بالتدبير على رضوان وأنفذ معه مالاً إليه ليستعين به على ذلك‏.‏

وكان علي بن السلار عاقلاً صاحب حزم ويقظة وحسن تأت مع قوة وصرامة‏.‏

فلما جاءه القاصد بالمال وبلغه عن الخليفة ما قال انتهز الفرصة وأرسل إلى جماعة من صبيان الخاص وقرر معهم أن يجتمعوا ويدخلوا من باب زويلة كردوسا واحداً وهم يصيحون‏:‏ الحافظ يا منصور وفرق فيهم ما أرسله إليه الخليفة‏.‏

فلما كان يوم الاثنين الثالث عشر من شوال اجتمع بظاهر القاهرة منهم نحو العشرين وأقبلوا من باب زويلة يصيحون‏:‏ يا للحافظ الحافظ يا منصور فما وصلوا إلى الشرايحيين الذي يعرف اليوم بالشوايين حتى صاروا نحو الخمسمائة وما وصلوا بين القصرين إلا والعسكر جميعه من فارس وراجل معهم ولم يبق من الصبيان والعوام أحد حتى خرج النساء وأشرف النساء من الطاقات وصاروا بأجمعهم يصيحون‏:‏ يا للحافظية‏.‏

فلما سمع رضوان الضجيج أراد أن يركب فمنعه بعض غلمانه فأبى عليه لأنه كان واثقا بنفسه وبمن معه وخرج وحده بغير سلاح ليس معه سوى سيف فلقي الناس بنفسه وطردهم يميناً وشمالا وظهر منه شجاعة تعجب منه من شاهدها فإنه لقي ألوفاً من الناس بمفرده ولم يزل يحمل عليهم حملةً بعد حملة إلى أن قتل منهم عدة‏.‏

وكان أخوه إبراهيم قد بلغه الخبر فركب من داره وأمسك عنه من يجيئه من ناحية قصر الشوك وشدت الريحانية ورجعوا إليه من ناحية زيادة الجامع الحاكمي ودرب الفرنجية‏.‏

فلما طال عليه وتيقن أن القوم بأجمعهم قد تمالئوا على حربه وكان قد انقضى من النهار أربع ساعات وأشرف عليه الأستاذون من ناحية باب الريح من أعالي القصر يرشقونه بالنشاب ويرمونه بالطوب تحير‏.‏

وكان ابن أخته والي مصر فبلغه الخبر فقام بجميع غلمانه وسار لنجدة خاله فوجد عند باب زويلة من بلغه الخبر بأنه لا يقدر على الوصول إليه فسار من ناحية باب البرقية ومعه بوقات وطبول فسمع إبراهيم أخو رضوان أصوات البوقات والطبول من جهة باب البرقية فأنفذ إلى أخيه رضوان يقول له‏:‏ قد تفرق علينا العسكر وجاء من ناحية قصر الشوك وقد قاطع الراجل علينا من ناحية باب النصر‏.‏

فلما بلغ رضوان ذلك أيقن بالهلاك إن وقف فما زال يتأخر قليلاً قليلاً حتى صار في رحبة باب العيد عند دار سعيد السعداء وبعث إلى داره التي هي دار الوزارة من أخذ له شيئاً منها على سبيل الخطف وأوصى إلى أخيه فانضم إليه هو ومن معه من أصحابه وفيهم أبي الفوارس وقدارة بن أبي عزة وشاور بن مجير السعدي وجماعة من خواصه وخرجوا من باب النصر‏.‏

فما هو إلا أن صار بظاهر القاهرة اقتحم الناس دار الوزارة ونهبوها حتى لم يتركوا فيها شيئاً‏.‏

وما وصل رضوان إلى تربة أمير الجيوش إلا وقد تلاحق كثير من المغافرة وكان قد أسلف عند العرب أيادي وأفاض عليهم نعماً وأحسن إليهم إحساناً كثيرا في مدة وزارته فأدركه رجل من العرب يقال له سالم بن المحجل أحد شياطين الإنس وحسن له المسير إلى الشام‏.‏

واشتغل الناس بنهب دار الوزارة وكان قد جمع فيها رضوان أكثر أموال ديار مصر وشحنها بالذخائر وأنواع السلاح والعدد والآلات والغلال فانتهب جميع ذلك وأحرقت أخشاب تعب وطلب رضوان الشام فدخل عسقلان وملكها وجعلها معقله وتوجه أخوه إلى الحجاز وأقام بها حتى مات وسار ابن أخته إلى بغداد فأكرمه أصحاب الخليفة هناك ولم يزل عندهم إلى أن مات‏.‏

وخرج رضوان من عسقلان ولحق بصلخد فنزل على أمين الدولة كمشتكين صاحبها فأكرمه وأبره وأقام عنده ثلاثة أشهر‏.‏

ثم أنفذ إلى دمشق واستفسد من الأتراك بها من قدر عليه‏.‏

وفيها خربت الأثارب من زلزلة وزلزلت دمشق أيضا‏.‏

وفيها مات الأعز قاضي القضاة أبو المكارم أحمد بن عبد الرحمن بن أبي عقيل في شعبان فأقام منصب القضاء بغير قاض ثلاثة أشهر ثم اختير الفقيه أبو العباس أحمد ابن الحطيئة في ذي القعدة فاشترط ألا يحكم بمذهب الدولة فلم يمكن من ذلك‏.‏

وكان الوزير رشوان قد تقدم إلى الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد المولى بن عبد الله محمد بن عقبة اللخمي المعروف بابن اللبني المغربي المالكي أن يعقد الأنكحة‏.‏

فلما كان في الحادي عشر من ذي القعدة قرر الحافظ في قضاء القضاة القاضي فخر الأمناء أبا الفضائل هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن محمد الأنصاري الأوسي المعروف بابن الأزرق‏.‏

فيها عاد الأفضل رضوان بن ولخشي من صلخد في جمع فيه نحو الألف فارس وكان الناس في مدة غيبته يهتفون بعوده فبرزت له العساكر ودافعوه عند باب الفتوح فلم يطق مقابلتهم فمضى إلى مصر ونزل على سطح الجرف المعروف اليوم بالرصد وذلك يوم الثلاثاء مستهل صفر‏.‏

فاهتم الحافظ بأمره وبعث إليه بعسكر من الحافظية والآمرية وصبيان الخاص عدتهم خمسة عشر ألف فارس مقدم القلب تاج الملوك قايماز ومقدم الآمرية فرج غلام الحافظ‏.‏

فلقيهم رضوان في قريب ثلثمائة فارس فانكسروا وقتل كثير منهم وغنم معظمهم وركب أقفيتهم إلى قريب القاهرة‏.‏

وعاد شاور إلى موضعه فلم يثبت وأراد العود إلى صلخد فلم يقدر لقلة الزاد وتعذر الطريق فتوجه بمن معه من العربان إلى الصعيد‏.‏

فأنفذ إليه الحافظ الأمير المفضل أبا الفتح نجم الدين سليم بن مصال في عسكر ومعه أمان فسار خلفه وما زال به حتى أخذه وأحضره إلى القصر آخر نهار الاثنين رابع ربيع الآخر فعفا عنه الحافظ ولم يؤاخذ أحداً من الأتراك الذين حضروا معه من الشام‏.‏

واعتقله عنده بالقصر قريباً من الدار التي فيها بهرام‏.‏

وفيها أضيف لقاضي القضاة هبة الله بن حسن الأنصاري في سابع عشر جمادى الآخرة تدريس دار العلم بالقاهرة فمضى إليها وكان مدرسها أبو الحسن علي بن إسماعيل فجرت بينهما مفاوضات أدت إلى الخصام الشنيع فخرج القاضي إلى القصر ماشياً وقد تخرقت ثيابه وسقطت عمامته‏.‏

فعظم على الحافظ خروجه في الأسواق على هذه الهيئة وغضب لذلك فصرفه ورسم عليه وغرمه مائتي دينار وألزمه داره‏.‏

وأمر بطلب أبي الطاهر إسماعيل بن سلامة الأنصاري فخلع عليه وقرره مكانه ونعته الموفق في الدين ولم يكتب له سجل فأقام إلى آخر ذي الحجة ولم يتناول على القضاء معلوماً وكان جاري الحكم في كل شهر أربعين ديناراً وقنع بجاري التقدمة على الدعاة وهو ثلاثون ديناراً في الشهر‏.‏

وفيها ولي الحافظ لدين الله الأمير المفضل نجم الدين أبو الفتح سليم بن مصال المالكي تدبير الأمور‏.‏

 سنة خمس وثلاثين وخمسمائة

فيها هلك بهرام الأرمني بالقصر وكان الحافظ لما أقدمه من الصعيد إلى عنده أنزله في القصر ولم يمكنه من التصرف وكان يشاوره في تدبير أمور الدولة فيعجبه رأيه وحزمه وعقله‏.‏

فلما مات في العشرين من ربيع الآخر حزن عليه حزناً كثيراً ظهر بسببه على القص غمة وهم أن يغلق الدواوين ولا يفتحها ثلاثة أيام‏.‏

وأحضر بطرك الملكية وأمره أن يجهز بهرام فقام بتجهيزه‏.‏

وأخرج نصف النهار في تابوت وعليه ثوب ديباج أحمر ومن حوله النصارى يبخرون باللبان والصبار وخرج الخليفة علة بغلة شهباء وعليه عمامة خضراء وثوب أخضر بغير طيلسان فسار خلف التابوت وسار والناس تبكي والأقساء يعلنون بقراءتهم والخليفة سائر إلى دير الخندق من ظاهر القاهرة‏.‏

فنزل الخليفة عن بغلته وجلس على شفير القبر وبكى بكاء شديداً‏.‏

وكان عاقلاً مقداماً في الحرب حسن السياسة جيد التدبير وكان أولاً يقوم بأمر الأرمن وسكناهم يومئذ في ناحية تل باشر فتعصب عليه جماعة منهم وولوا غيره فخرج مغضباً وقدم إلى القاهرة فترقى في الخدم إلى أن ولي المحلة فقام بولايتها‏.‏

ومنها سار في زي حسن إلى القاهرة ومعه من الأرمن نحو الألفين يقولون بقوله فاستوزره الحافظ‏.‏

وفيها مات الفقيه أبو الفتح سلطان بن إبراهيم بن رشا المقدسي في آخر جمادى الآخرة‏.‏

 سنة ست وثلاثين وخمسمائة

في ليلة الثلاثاء الثاني عشر من ربيع الأول سقطت صاعقة أحرقت ركن منارة الجامع العتيق‏.‏

في شعبان غلت الأسعار وعدم القمح والشعير فبلغ القمح كل إردب إلى تسعين درهما والدقيق إلى مائة وخمسين للحملة والخبز إلى ثلاثة أرطال بدرهم والويبة من الشعير إلى سبعة دراهم والزيت الطيب إلى سبعة دراهم للرطل والجبن إلى درهمين للرطل والبيض إلى عشرين درهماً للمائة والزيت الحار إلى درهم ونصف للرطل والقلقاس كل رطلين بدرهم وعدم الفرخ والدجاج فلم يقدر على شيء منه‏.‏

وعم الوباء وكثر الموتان‏.‏

وفيها مات أحمد بن مفرج بن أحمد بن أبي الخليل الصقلي الشاعر المعروف بتلميذ ابن سابق وكان فاضلاً ذكيا يتصرف في عدة فنون وله رسائل حسنة وشعر جيد‏.‏

وكان الشعراء في أيام الحافظ قد أطنبوا في المديح وتناهوا في إطالة القصائد حتى صار الإنشاد يؤدى إلى قصر الوقت الذي جرت العادة باستماع أشعارهم فيه لطول مثولهم بالخدمة فخرج الأمر إليهم بالاختصار فيما ينشدونه من الأشعار‏.‏

فقال أحمد بن مفرج يخاطب الخليفة‏:‏ أمرتنا أن نصوغ المدح مختصراً لم لا أمرت ندى كفّيك يختصر واللّه لا بدّ أن تجرى سوابقنا حتى يبين لنا في مدحك الأثر فأمروا بالاستمرار على ما هم عليه من الإطالة في الإنشاد‏.‏

 سنة سبع وثلاثين وخمسمائة

فيها عظم الوباء بديار مصر فهلك فيه عالم لا يحصى عدده كثرة‏.‏

وفيها بعث الحافظ الأمير النجيب رسولاً إلى رجار ملك صقلية لمحاربته أهل صقلية وكان رجار فيه فضيلة وأمر فصنفت له تصانيف وكان عنده محبة للأدب ومدحه ابن قلاقس الشاعر وغيره‏.‏

 سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة

فيها خرج محمد بن رافع اللواتي بنواحي البحيرة فاجتمع له عدد كثير من الناس فخرج إليه طلائع بن رزيك وهو يومئذ والي البحيرة فكانت بينهما حروب قتل فيها‏.‏

وفيها غلت الأسعار بمصر‏.‏

 سنة تسع وثلاثين وخمسمائة

فيها سير الحافظ الرشيد أبا الحسين أحمد بن الزبير رسولاً إلى اليمن بسجل يقرؤه عليهم فخرج في ربيع الأول‏.‏

وفيها خرج أبو الحسين ابن المستنصر إلى الأمير خمارتاش الحافظي صاحب الباب وقال له‏:‏ اجعلني خليفة وأنا أوليك الوزارة فطالع الحافظ بذلك فأمر القبض عليه فقبض واعتقل‏.‏

وفيها قدم في جمادى الآخرة من دمشق الأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ وإخوته وأهله ومعهم نظام الدين أبو الكرام محسن وزير صاحب دمشق معاضدين له فأكرم مثواهم وأنزلوا سنة أربعين وخمسمائة فيها أعيد نظر الدواوين والأتراك والخزائن إلى القاضي الموفق أبي الكرم محمد بن معصوم التنيسي في جمادى الأولى‏.‏

 سنة إحدى وأربعين وخمسمائة

فيها خرج على الحافظ أمير من المماليك يعرف ببختار يطلب الوزارة بأرض الصعيد فندب إليه عسكراً عليه سلمان مؤنس اللواتي فمضى إليه وحاربه فانهزم وهو من ورائه حتى أدركه وأخذه أسيراً وقتله‏.‏

وفيها قدم صافي الخادم أحد خدام المتقي من بغداد فاراً في ثالث عشري جمادى الأولى خوفاً فأكرمه الحافظ‏.‏

وفيها منع من التعرض لصرف شيء من المال الحاضر من الأعمال في جرائد المستخدمين وأن يكون ما نسب منها على البواقي والفاضل في هذه السنة‏.‏

وفيها ملك نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر حلب بعد أبيه‏.‏

وفيها ملك رجار بن رجار ملك صقلية مدينة طرابلس الغرب وولى عليها رجلا من بني سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة فيها صرف أبو الكرم التنيسي في ربيع الآخر وأعيد نظر الدواوين للقاضي المرتضى المحنك‏.‏

وفيها سير الحفاظ لظهير الدين صاحب دمشق هدايا وخلعاً وتحفاً‏.‏

وفيها خرج رضوان من ثقب نقبه بالقصر‏.‏

وذلك أن الحافظ لما اعتقله بالقصر أرسل يسأله في أشياء من جملتها زيارة نجم الدين بن مصال له في الوقت بعد الوقت فأجابه إلى ذلك لثقته بابن مصال‏.‏

فحضر في يوم من الأيام ابن مصال لخدمة الخليفة وبدأ بزيارة رضوان فدخل إليه ومعه مشدة فيها رقاع بجوائج الناس ليعرضها على الحافظ وكانت عادته ذلك فاحتاج إلى الخلاء فترك مشدته عند رشوان ودخل الخلاء‏.‏

فأخذ رضوان الرقاع ووقع بخطه عليها كلها بما يسوغ التوقيع به وأتر بها وطواها في المشدة‏.‏

وخرج ابن مصال فأخذها ودخل على الحافظ وقد علم أنه كان عند رضوان فقال له‏:‏ كيف ضيفنا فقال‏:‏ على غاية من الشكر لنعمة مولانا وجواره‏.‏

وأخرج رقةً من تلك الرقاع ليعرضها على الخليفة فوجد عليها التوقيع بخط رضوان فأمسكها وأخرج غيرها فإذا هي موقع عليها أيضاً‏.‏

وكان الحافظ يراه فقال‏:‏ ما هذا فاستحيا ابن مصال عندما تداول الخليفة الرقاع وعليها توقيع رضوان‏.‏

فقال له الحافظ‏:‏ يا نجم الدين ما زلت مباركاً علينا والله يشكر لك ذلك لقد فرجت عنا غمة‏.‏

فقال‏:‏ كيف يا مولانا قال‏:‏ رأيت البارحة رؤياً مقتضاها أنه ربما يشركنا في كثير من أمرنا فالحمد لله إذ كان هذا‏.‏

وكتب على الرقاع أمضاها بخطه وخلع على ابن مصال‏.‏

فلما طال اعتقال رضوان أخذ ينقب بحيث لا يعلم به إلى أن انتهى النقب من موضعه الذي هو فيه إلى تجاه فندق أبي الهيجاء وخرج النقب عن سور القصر‏.‏

وكان قياس ما نقبه خمسةً وثلاثين ذراعاً فظهر منه بكرة يوم الثلاثاء ثالث عشري ذي القعدة في الجيزة فالتف عليه جماعة من لواتة وعدة من الأجناد وسمع به الطماعون وكان للناس فيه أهوية‏.‏

فندم الحافظ على تركه بغير حارس وأخذ في العمل‏.‏

فلما كان ثالث يوم عدي رضوان من اللوق وسار إلى القاهرة فخرج إليه عسكر الحافظ وتحاربوا معه عند جامع ابن طولون فهزمهم وسار في إثرهم إلى القاهرة فدخلها في الرابعة من نهار الجمعة سادس عشريه ونزل بالجامع الأقمر‏.‏

فغلق الحافظ أبواب القصر وامتنع به‏.‏

فأحضر رضوان أرباب الدولة والدواوين وأمر ديوان الجيش بعرض الأجناد وأخذ أموالا كانت خارجة من القصر وأنفق في طوائف العسكر‏.‏

وأرسل إلى الحافظ يطلب منه مالا فسير إليه صندوقاً فيه مال وقال له‏:‏ هذا الحد الذي أراده الله فاسترض على نفسك‏.‏

وأتت هتافات الناس إلى رضوان فاستدعى الحافظ أحد مقدمي السودان سراً وقال له‏:‏ إني بكم واثق‏.‏

فقال‏:‏ ما ادخرنا هذا إلا لمولانا‏.‏

فقال‏:‏ كم أصحابك قال‏:‏ عشرة‏.‏

قال‏:‏ لكم عشرة آلاف دينار واقتلوا هذا الخارجي علينا وعليكم فأنتم تعلمون إحساننا إليه وإساءته إلينا‏.‏

فقالوا‏:‏ يا مولانا السمع والطاعة‏.‏

ورتبوا أنهم يصيحون حول الجامع الأقمر‏:‏ الحافظ يا منصور‏.‏

فلما فعلوا ذلك قلق وقال لمن حلوه‏:‏ ما كل مرة يصح لهؤلاء الكلاب مرادهم‏.‏

فحسنوا له الركوب ظناً منهم أنه إذا ركب إلى بين القصرين لم يجسر أحد عليه‏.‏

فعندما ركب ضربه واحد من السودان في فخذه ضربة شديدة وتداركه آخر بضربة وتوالت عليه الضربات فقتل في الساعة الحادية عشرة من نهار الجمعة المذكور وقطعت رأسه وحملت إلى الخليفة الحافظ‏.‏

فسكنت الفتنة وهدأت الغوغاء‏.‏

ثم إن الحافظ بعث بالرأس إلى امرأة رضوان فلما وضعت في حجرها قالت‏:‏ هكذا يكون الرجال‏.‏

وكان رضوان سنياً حسن الاعتقاد شجاعاً مقداماً قوي الغلب شديد البأس‏.‏

ولد ليلة عيد الغدير من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة وترقى في الخدم إلى أن ولي قوص وإخميم في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة‏.‏

إلا أنه كان مع حسن عبارته وغزارة أدبه طائش العقل قليل الثبات لا يحسن التدبير ولا يتأتى له سياسة الأمور لعجلته وجرأته وكان أخوه الأوحد أثبت عقلا منه‏.‏

ومن جملة ما كتب له في تقليد الوزارة بعد بهرام من إنشاء أبي القاسم ابن الصيرفي‏:‏

لأنك أذهبت عن الدولة عارها وأمطت من طرق الهداية أوعارها واستعدت ملابس سيادة كان قد دنسها من استعارها‏.‏

ولم يستوزر الحافظ بعد رضوان أحداً وأعاد النصراني المعروف بالأخرم إلى ضمان الدولة على ما تقدم ثم نقم عليه لكثرة المرافعين واعتقله وطلب منه المال فلم يسمح بشيء‏.‏

فركب الحافظ يوماً ووقف على باب السجن الذي هو فيه من القصر وأمر به فأحضر إليه‏.‏

وقال له‏:‏ كم تتجالد أريد منك مالي على لسان صاحب الستر‏.‏

فبينا الخليفة يخاطبه إذ أخذ كفاً من تراب وجعله في فيه فقال له الحافظ‏:‏ ما هذا مالا ينبغي نقله إلى مولانا صلوات الله عليه‏.‏

فغضب عليه وأمر بإحضار أبيه وأخيه وكانا معتقلين فأخرجا وقتل الأخرم وأخاه وأبوهما ينظر قتلهما ثم قتل الأب‏.‏

وأحاط بأموالهم فحصل منهم ما يزيد على عشرين ألف دينار عينا‏.‏

فيها مات الشيخ تاج الرياسة أبو القاسم على بن منجب بن سليمان المعروف بابن الصيرفي الكاتب في يوم الأحد لعشر بقين من صفر ومولده في يوم السبت الثاني والعشرين من شعبان سنة ثلاث وستين وأربعمائة‏.‏

وكان أبوه صيرفياً وجده كاتباً وأخذ صناعة الترسل عن ثقة الملك أبي العلاء صاعد بن مفرج وتنقل حتى صار صاحب ديوان الجيش‏.‏

ثم انتقل معه إلى ديوان الإنشاء‏.‏

ومات الشريف سناء الملك أبو محمد الزيدي الحسيني ثم تفرد بالديوان فصار فيه بمفرده‏.‏

وله الإنشاء البديع والشعر الرائع والتصانيف المفيدة في التاريخ والأدب‏.‏

 سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة

فيها توجه العسكر في ثالث صفر لقتال لواتة وقد تجمعوا وعقدوا الأمر لرجل قدم من المغرب وادعى أنه ولد نزار بن المستنصر‏.‏

فسار إليهم العسكر وواقعهم على الحمامات وانهزم منهم العسكر فجهز الحافظ عسكراً آخر ودس إلى مقدمي لواتة مالا جزيلا ووعدهم بالإقطاعات فغدروا بابن نزار وقتلوه وبعثوا برأسه إلى الحافظ‏.‏

ورجعت العساكر في ربيع الأول‏.‏

وفيها صرف القاضي المكين الموفق في الدين أبو الطاهر إسماعيل بن سلامة الأنصاري عن القضاء لسبع خلون من المحرم واستقر على الدعوة الموفق الأمير كمال الدين واستخدم في وظيفة القضاء وكان كريم الأخلاق حليما عليه سكينة ووقار مليح الشيبة ظريف الهيئة‏.‏

وفيها توفى أبو الفضائل يونس بن محمد بن الحسن المقدسي القرشي المعروف بجوامرد خطيب القدس‏.‏

وفيها بلغ النيل تسعة عشر ذراعاً وأربعة أصابع ففاض الماء حتى بلغ إلى الباب الجديد أول الشارع خارج باب زويلة فكان الناس يتوجهون من مصر إلى القاهرة على ناحية المقابر لامتلاء الطريق بالمياه‏.‏

فلما بلغ الحافظ ذلك أظهر له الحزن والانقطاع فسأله بعض خواصه عن ذلك فأخرج له كتاباً وقال‏:‏ انظر هذا السطر فإذا فيه‏:‏ إذا وصل الماء الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد‏.‏

ثم قال‏:‏ هذا الكتاب الذي نعلم منه أحوالنا وأحوال دولتنا وما يأتي بعدها‏.‏

فاتفق أنه لم تنسلخ هذه السنة حتى مرض الحافظ مرضة الموت‏.‏

وفيها انقرضت دولة بني باديس‏.‏

وذلك أن الغلاء اشتد بإفريقية من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة إلى سنة اثنتين وأربعين حتى أكل الناس بعضهم بعضاً وخلت القرى ولحق كثير من الناس بجزيرة صقلية‏.‏

فاغتنم رجار متملكها الفرصة وبعث جرج مقدم أسطوله على نحو مائتين وخمسين شينيا فنزل على المهدية ثامن صفر سنة اثنتين وأربعين وبها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس ففر بأخف حمله وتبعه الناس‏.‏

فدخل جرج المهدية بغير مانع واستولى على قصر الأمير حسن وأخذ منه ذخائر نفيسة وحظايا بديعات‏.‏

وعزم حسن على المجيء إلى مصر فقبض عليه يحيى بن العزيز صاحب بجاية ووكل به وبأولاده وأنزله في بعض الجزائر فبقى حتى ملك عبد المؤمن بن علي بجاية في سنة سبع وأربعين فأحسن إلى الأمير حسن وأقره في خدمته‏.‏

فلما ملك المهدية تقدم إلى نائبه بها أن يقتدي برأي حسن ويرجع إلى قوله‏.‏

فكانت عدة من ملك من بني باديس بن زيرى بن مناد تسعة ومدتهم من سنة إحدى وستين وثلثمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة مائة واثنتان وثمانون سنة‏.‏

وفيها بعث رجار بن رجار ملك جزيرة صقلية إلى المهدية أسطوله مائتين وخمسين من الشواني مع جرجي بن ميخائيل فجد في حصارها حتى أخذها في صفر منها وملك سوسة وصفاقس وملك رجار بونة‏.‏

 سنة أربع وأربعين وخمسمائة

فيها وقع الاختلاف بين الطائفة الجيوشية والطائفة الريحانية فكانت بينهما حروب شديدة قتل فيها عدة من الفريقين وامتنع الناس من المضي إلى القاهرة ومن الذهاب إلى مصر‏.‏

وابتدأت الحرب بينهم في يوم الخميس ثامن عشر جمادى الأولى وتوالت في يوم السبت رابع جمادى وهم العسكر بخلع الحافظ من الخلافة فمات بقصر اللؤلؤة وقد نقل إليه وهو مريض بكرة يوم الأحد وقيل ليلة الاثنين لخمس خلون من جمادى الآخرة واشتغل الناس بموته‏.‏

وكان له من العمر يوم مات ست وسبعون سنة وثلاثة أشهر وأيام منها مدة خلافته من يوم بويع بعد أحمد بن الأفضل ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما‏.‏

وأصابته في ولايته شدائد واعتقل ثم لما أعيد تحكم عليه الوزراء حتى قبض على رضوان‏.‏

فلم يستوزر بعده أحداً وإنما أقام كتاباً على سنة الوزراء أرباب العمائم ولم يسم أحداً منه وزيراً وهم‏:‏ أبو عبد الله محمد بن الأنصاري وخلع عليه بالحنك والدواة فتصرف تصرف وزراء الأقلام وصعد المنبر مع الخليفة في الأعياد والجمع والقاضي الموفق محمد بن معصوم التنيسي وصنيعة الخلافة أبو الكرم الأخرم النصراني‏.‏

وكان الحافظ حازم الرأي جماعاً للأموال كثير المداراة سيوساً عارفاً‏.‏

ولم يكن أحد ممن ولي قبله أبوه غيره خليفة سواه‏.‏

وكان يميل إلى علم النجوم وكان له من المنجمين سبعة منهم المحقوف وابن الملاح وأبو محمد بن القلعي وابن موسى النصراني‏.‏

وفي أيامه عملت الطبلة التي كانت إذا ضرب بها من به قولنج خرج عنه الريح وما زالت بالقصر إلى أن كسرت في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب‏.‏

وترك من الأولاد أبا الأمانة جبريل ويوسف وأبا المنصور إسماعيل‏.‏

وكان مطعوناً عليه فإنه ولي بغير عهد وإنما أقيم كفيلا عن منتظر في بطن أمه فلم يظهر للحمل خبر‏.‏

ومن محاسن ما يحكى عنه أنه كان يخرج في كل ستة أشهر عسكر من القاهرة إلى عسقلان لأجل الفرنج تقويةً لمن بها من المركزية الكنانية وغيرهم‏.‏

ويقدم على العسكر عدة فيجعل على كل مائة فارس أمير ويقدم على الجميع أمير تسلم إليه الخريطة فيكون أمير المقدمين وتشتمل الخريطة على أوراق العرض من الديون بالحضرة ليتفق مع والي عسقلان على عرض العسكر بمقتضاها‏.‏

ويصدر التعريف من كاتب الجيش هناك إلى الديوان بالحضرة بذلك ويسلم إليه مبلغ من المال لنفقته معونةً لمن فاتته النفقة من العسكر فإن النقباء الذين للطوائف يجردون من كان من الطوائف حاضراً ومن كان مسافراً في إقطاعه فيأخذ صاحب الخريطة أوراقاً بمن سافر وهو في إقطاعه ليوصل إليه نفقته‏.‏

وكانت نفقة الأمراء مائة دينار لكل أمير وللأجناد ثلاثون ديناراً لكل جندي‏.‏

واتفق مرة خروج العسكر إلى عسقلان وفيهم خمس أمراء من جملتهم جلب راغب الذي اتفق منه في حسن بن الحافظ بعد موته ما تقدم ذكره فلما سير إليه مائة دينار نفقته تجهز للسفر في جملة الناس وسلمت الخريطة لأميرهم‏.‏

فلما دخلوا على الحافظ ليودعوه ويدعو لهم بالنصر والسلامة على العادة قضوا حق الخلافة وانصرفوا إلا جلب راغب فإنه وقف فقال الحافظ‏:‏ قولوا للأمير ما وقوفك دون أصحابك ألك حاجة فقال‏:‏ يأمرني مولانا بالكلام‏.‏

قال‏:‏ قل‏.‏

فقال يا مولانا ليس على وجه الأرض خليفة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرك وقد كان السلطان استزلني فسفهت نفسي وأذنبت ذنباً عظيماً عفوا مولانا أوسع منه وأعظم‏.‏

فقال له الحافظ‏:‏ قل ما تريد غير هذا فإنا غير مؤاخذيك به‏.‏

فقال‏:‏ يا مولانا قد توهمت أنك تحققت أني ماض في حالة السخط وقد آليت على نفسي أن أبذلها في الجهاد فلعلي أموت شهيداً قد صنع ذلك سخط مولانا علي‏.‏

فقال له الحافظ‏:‏ انته عن هذا الكلام وقد قلنا لك إنا ما واخذناك فأي شيء تقصد فقال‏:‏ لا يسيرني مولانا تبعاً لغيري فقد صرت مراراً كثيرةً مقدماً وأخشى أن يظن أن هذا التأخير للذنب الذي أنا متعرف‏.‏

قال‏:‏ لا بل مقدماً وصاحب الخريطة‏.‏

وأمر بنقل الحال عن المقدم الذي تقرر للتقدم والخريطة إلى جلب راغب وأعطى مائتي دينار وقال‏:‏ له استعن بهذه‏.‏

فعد هذا من الحلم الذي ما سمع بمثله‏.‏

وكان الغالب على أخلاقه الحلم‏.‏

وكان مقدم المطالبين يجيء إلى الخليفة الحافظ ويخبره بغرائب ما يظهر فجاء يوماً وأخبر أنه وجد حوضاً لطيفاً قريباً من معلف الجمال فلم يتعرض له‏.‏

فندب الخليفة معه شاهدين حتى أتوا به فإذا حوض مطبق بغطاء كشف عنه فإذا فيه صنم من رخام أبيض على هيئة الإنسان وهو واضع أصبعاً في فيه وأصبعاً أخرى في دبره فأمر الحافظ أحد الشاهدين أن يناوله ذلك فلما أخذ الصنم ضرط ضرطة عظيمة فألقاه من يده وقد اشتد خجله‏.‏

فقام موفق أحد الأستاذين المحنكين ليناوله إياه فضرط أيضاً‏.‏

فأمر الحافظ بتركه وعلم أنه طلسم القولنج‏.‏

ووجد في مقطع الرخام سرب تحت الأرض فيه حبوة ممدودة أحضرت إلى الأستاذ مفضل المعروف بصدر الباز فإذا فيها حنش من ذهب زنته ستة مثاقيل ونصف مثقال وعيناه من ياقوت أحمر وفي فمه جرس من ذهب‏.‏

فأعلم به الحافظ فلم يزل يبحث عن خبره حتى أحضرت له عدة أحناش كبار وأخرج ذلك الحنش المذكور فجعلت الأحناش الكبار تخرج رءوسها ثم تحركها مرةً أو مرتين وتسقط ميتة‏.‏

وكان الحافظ حريصا على علم السيميا‏.‏

فظهر في أيامه الشيخ أبو عبد الله الأندلسي شيخ بني الأنصاري أوحد زمانه في علم السيمياء فسأله الحافظ أن يريه شيئاً من ذلك فأراه ساحة القصر قد صارت لجة ماء فيها سفينة متعلقة وشواني حرببات قد خرجت على تلك السفينة وقاتلت أهلها والحافظ يرى لمعان السيوف ومرور السهام وخفقان البنود ورءوس الرجال وهي تسقط عن كواهلها والدماء تسيل حتى سلم أصحاب السفينة لأصحاب الشواني فساروا بها والأبواق تزعق والطبول تضرب إلى أن غابت عن الأبصار في لجج البحار‏.‏

ثم كشف عن الحافظ فإذا هو قصره‏.‏

ثم أمره أن يريه شيئاً آخر‏:‏ فقال‏:‏ لنخرج من في مجلس أمير المؤمنين إلى منزله فأمرهم فخرجوا حتى صاروا إلى حيث خيولهم واقفة بباب القصر فلما قدمت إليهم ليركبوا فما منهم إلا ن رأى فرسه كأنه ثور وقرناه كأعظم ما يكون من القرون فعادوا إلى الحافظ وأعلموه بما رأوا فضحك وقال‏:‏ افدوا دوابكم منه‏.‏

فقطع كل واحد منهم على نفسه شيئاً فأمر له به‏.‏

وما زال مقيماً بمصر حتى مات‏.‏

وكان في أيام الحافظ أيضاً ابن محفوظ سأله أن يريه شيئاً من أعماله فأمر بأربعة أطباق فضة أن تحضر فلما وضعت بين يديه امتلأت ياسميناً في غير أوانه وصار يعلو على كل طبق وهو مرصوص متماسك بعضه فوق بعض إلى أن صار كأربعة أعمدة من رخام متقابلة‏.‏

 الظافر بأمر الله

أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد ابن المستنصر بالله ولد يوم الأحد النصف من ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وخمسمائة وبويع في اليوم الذي مات فيه الحافظ لدين الله وهو كما تقدم يوم الأحد الخامس من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة وعمره سبع عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام بوصية من أبيه له بالخلافة‏.‏

وكان أصغر أولاده وفيهم أبو الحجاج يوسف وأبو الأمانة جبريل وهما أسن منه وركب بزي الخلافة‏.‏

واستوزر الأمير نجم الدين أبا الفتح سليم بن محمد بن مصال بوصية الحافظ بذلك أيضاً ونعت بالسيد الأجل الأفضل أمير الجيوش وخلع عليه خلع الوزارة وهو يومئذ من أكابر الأمراء وهو شيخ لين متواضع‏.‏

فسكن دار المأمون البطائحي‏.‏

وصار أبو الكرم التنيسي من ذوي رأيه‏.‏

وأول ما بدأ به الظافر أنه ركب بعد صلاة العشاء الآخرة بالشمع في القصر ووقف بباب الملك بالإيوان المجاور للشباك وأحضر ابني الأنصاري وهما أبو عبد الله وأبو واستدعى متولى الستر وهو صاحب العذاب وأحضرت آلات العقوبة وضرب الأكبر بحضوره بالسياط إلى أن قارب الهلاك وثنى بأخيه كذلك ثم أخرجا وقطعت أيديهما وسلت ألسنتهما من أقفيتهما وصلبا على بابي زويلة الأول والثاني فأقاما زماناً ثم وضعا‏.‏

وكان سبب قلتها أنهما كانا من الكتاب فنبغا وتوصلا بالحافظ فاستخدمهما في ديوان الجيش فوثبا على رؤساء الدولة وأعيان كتابها وخواص الخليفة من الأستاذين المحنكين مثل الأجل الموفق كاتب الدست وكان موضع سر الخليفة ومحل مشورته في الأمور العظام من أحوال الممالك ومن يليه كالقاضي المرتضى المحنك والخطير ابن البواب وتجرآ على المذكورين وغيرهم مع قلة دربة‏.‏

فكثر حسادهما وعمل عليهما فيما يخرج للأمراء والمقطعين من الخروجات في كل سنة ويشتمل الخرج على نعوت ذلك الأمير فيصير ذلك الخرج إلى عالم الإقطاعات وهو تحته‏.‏

فذكرا في أحد الخروجات كلاماً طريفاً ليؤخذ عليه خطهما ليوقف عليه الخليفة حتى يتبين له جهلهما وهو‏:‏ حبطست حبطست وفي النهر قد غطست بغلالة أرجوان صفراء بزعفران‏.‏

فمشى عليهما ذلك وترجما الخرج بخطهما وخرج من أيديهما فأحضر إلى الأجل الموفق ابن الحجاج كاتب الدست فأخذه ودخل به إلى الخليفة الحافظ وقال‏:‏ يا مولانا الأمثال مضروبة بحفظ ديوان هذه الدولة ومن يتولاها فكيف لو ظفر بهذا الخرج مخالف لها يقصد التشنيع عليها‏.‏

فقال له الحافظ‏:‏ يا مولاي الموفق هبهما لي‏.‏

فقال‏:‏ يا مولانا كلنا مماليكك‏.‏

وخرج ولم يبلغ الأعداء منهما ما أرادوا فزاد أمرهما في الدولة على الخليفة والاستعلاء على الناس‏.‏

وأراد الأكبر منهما أن يدخل على الخليفة ويخرج ظاهراً ليراه الناس فجدد له ديواناً سماه ديوان الترتيب وجمع فيه من يخدم في ترتيب الأعمال صفقة صفقة وأن يكون أميرهم بجار يقرر له وهذا الترتيب يقال له في غير هذه الدولة صاحب البريد فكان يكاتب متولى هذا الديوان بالأخبار بمطالعات تصل إليه مترجمةً بمقام الخليفة فيعرضها من يده ويجاوب عنها بخطه‏.‏

فورد كتاب بعض أصحاب الترتيب بقضية فأجابه بكلام وأراد الاستشهاد بآية من كتاب الله تعالى فحرفها وقالها على غير ما أنزلت ووقع الجواب للموفق فأخذ في كمه مصحفاً ودخل إلى الخليفة ومعه جواب ابن الأنصاري وقال‏:‏ يا مولانا هذا كتاب الله تعالى قد حضر إلى مقامك وهو المنزل على جدك رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو إليك جناية ابن الأنصاري عليه فخذ بحقه لهذه الجنايات والحمد لله إذ وقع هذا الكتاب إلى المملوك دون غيره فإن المملوك لم يزل يتتبع هذه الأمور لئلا يقع عليها أعداء الدولة فيشيعوا ذلك في الدول المخالفة لها‏.‏

فقال له الحافظ‏:‏ أنا أعلم منك هذا وأعلم من المذكورين ما ذكرت وقد كنت سألتك فيهما مرة وهذه الثانية فإن لهما علينا خدمة‏.‏

فقال‏:‏ العفو يا مولانا‏.‏

وانصرف ولم ينل منهما غرضاً‏.‏

فأمر الحافظ ابن الأنصاري الأكبر أن يمضى إلى الأجل الموفق ويخدمه في داره‏.‏

وكان يومئذ ديوان المكاتبات مقسوماً بين أبي المكارم ابن أسامة وبين الموفق إلا أن ابن أسامة لا يلتفت لأمر الديوان لكثرة شغله بدنياه فاستناب ابنه أبا المنصور عنه وكان يحلق بأبيه في الاشتغال بأمر دنياه عن النيابة فصار اعتماد الخليفة في الديوان بأجمعه على الأجل الموفق وكان ينفذه ولا يشق ابن أسامة لما أسلفه من الخدم السابقة‏.‏

ثم لما مات أبو المكارم أسامة وكان في الظن أن ابنه أبا المنصور يستخدم مكانه سبق ابن الأنصاري وسأل الحافظ فاستخدمه في النصف من ديوان المكاتبات فقط شريكا للموفق فيه وانفرد الموفق بالإنشاء‏.‏

ونعت ابن الأنصاري بالقاضي الأجل سناء الملك وأمره الحافظ بخدمة الموفق وأن يقنع معه بمجرد الرتبة‏.‏

فشق ذلك على الموفق وصبر على ضر‏.‏

وقرر أبو المنصور بن أسامة في ديوان الترتيب مكان ابن الأنصاري‏.‏

وتجند ابن الأنصاري الأصغر وتأمر في يوم واحد وخلع عليه بالطوق ورتب في زم الإمرية وهي إمرة طوائف الأجناد‏.‏

فكثر الأعداء وتعددت الحساد واشتغل الناس بهما وأطلقوا الألسنة بذمهما فكان يقال‏:‏ هذا الأمير الطاوي ابن الأنصاري‏.‏

ولج الناس بالكلام فيهم وهم عاجزون عنهم حتى مات الحافظ فكان من أمرهما مع ابنه الظافر ما تقدم ذكره‏.‏

وفي يوم الثلاثاء رابع شعبان اجتمع كثير من السودان وعدة من المفسدين ببعض القرى فخرج إليهم الوزير ابن مصال فنازلهم حتى كسرهم‏.‏

وكان الأمير المظفر سيف الدين معد الملك ليث الدولة علي بن إسحاق بن السلار واليا على البحيرة والإسكندرية وكان ابن زوجه ركن الإسلام عباس والي الغربية‏.‏

فلم يرض ابن السلار بوزارة ابن مصال وخرج من الإسكندرية إلى ربيبه بالغربية واتفقا على القيام وإزالة ابن مصال‏.‏

فبلغه ذلك فأعلم به الخليفة الظافر فجمع الأمراء في مجلس الوزارة وبعث إليهم زمام القصور يقول‏:‏ هذا نجم الدين وزيري ونائبي فمن كان يطيعني فليطعه ويمتثل أمره‏.‏

فقال الأمراء‏:‏ نحن مماليك مولانا سامعون مطيعون فرجع الزمام بهذا الجواب‏.‏

فقال أمير من الأمراء شيخ يقال له درى الحرون وهو أحد أشرار القوم ومن رفقة ابن السلار‏:‏ إن سمع مني ما أقول قلت‏.‏

فقال له الوزير‏:‏ قل‏.‏

قال‏:‏ مولانا صلوات الله عليه يعلم وأنت تعلم أن ما في الجماعة من يضرب في وجه ابن السلار بسيف وأولهم أنا فإن كان مولانا يقتل جميع أمرائه وأجناده فالأمر لله وله‏.‏

فلما سمع الجماعة ذلك قاموا وخرجوا من القصر وشدوا على خيولهم وساروا يريدون ابن السلار‏.‏

فلما غلب الظافر عن دفعه أعطى ابن مصال مالاً كثيرا وأمره أن يعمل لنفسه ما يرى فيه الخيرة وهو يساعده‏.‏

وسار ابن السلار فرأى ابن مصال أنه لا طاقة له به فخرج إلى جهة الصعيد وعدي إلى الجيزة ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان عندما سمع بوصول المظفر‏.‏

وقدم ابن السلار إلى القاهرة في يوم الأربعاء خامس عشر شعبان فوقف على القصر وسير إلى الظافر وإلى من يدبره من النساء يعلم بحاله‏.‏

فجرت بينه وبين أهل القصر مراجعات كثيرة آخرها أنه فتح له أبواب القصر وخلع عليه خلع الوزارة ونعت بالسيد الأجل أمير الجيوش شرف الإسلام كافل وبقي يحقد على الظافر ميله مع ابن مصال وفي نفس الخليفة نفور منه أيضا‏.‏

وسكن دار الوزارة‏.‏

وجمع ابن مصال كثيراً من السودان ومن العربان ولواتة وغيرهم وانضم إليه بدر بن رافع مقدم العربان وسار بهم‏.‏

فندب ابن السلار ربيبه المظفر أبا منصور ركن الدين عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس في عسكر فنزل بركة الحبش‏.‏

وقدم ابن مصال أمامه الماجد في عسكر فطرق عباساً على حين غفلة وقتل من عسكره كثيراً وانهزم جماعة وثبت عباس حتى أتته النجدة من الغد فكر على أصحاب ابن مصال وقاتلهم فلم يفلت منهم إلا من سبحت به فرسه في النيل وأخذ الأمير الماجد نسيب ابن مصال وضربت عنقه‏.‏

فسار ابن مصال إلى بلاد الصعيد بجميع الأجناد والعربان‏.‏

وشرع ابن السلار يجهز عباساً فجهزه في جيش كثيف وبادر بالخروج خوفاً من الاجتماع على ابن مصال فسار إلى دلاص ومعه طلائع بن رزيك وهو أحد المقدمين فبرز إليه ابن مصال وواقعه عدة وجوه فانجلت الوقائع عن قتل ابن مصال وبدر بن رافع مقدم العربان في يوم الأحد التاسع عشر من شوال‏.‏

ويقال إنه بلغت عدة القتلى سبعة عشر ألفا‏.‏

فعاد عباس وقد قوي ومعه رأس ابن مصال إلى القاهرة فطيف بها على قناة القاهرة ومصر يوم الخميس ثالث عشري وكان ابن مصال من أهل برقة‏.‏

وخدم أولاً في البيدرة والصيد هو وأبوه فتقدم في الخدم حتى نال الوزارة‏.‏

واتفق أنه مر في وزارته مرةً فقالت له امرأة كانت تعرفه في حال فقره‏:‏ سليم ووزرت فقال لها‏:‏ نعم‏.‏

قالت‏:‏ والله ما وزرت وبقي أحد‏.‏

فضحك وأمر لها بصلة‏.‏

وكان العادل ابن السلام منذ استقر في الوزارة أخذ ينظر في أمر الأجناد المعروفين بالنهضة والعزم وزاد في أرزاقهم وتفقد خزائن السلاح وحفظ النواميس وشد من مذهب أهل السنة فقدم عليه الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي فأكرمه وبنى له مدرسة بالإسكندرية‏.‏

وقدم عليه مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ فأكرمه‏.‏

إلا أنه كان يستوحش من الظافر وخائفاً على نفسه فأخبر بأن ينتدب رجالا يمشون في ركابه بالزرد والخوذ نحو الستمائة ويجعلهم نوبتين بزمامين في كل يوم نوبة وأوهم أن الخليفة خبأ له قوماً يغتالونه بالقصر‏.‏

فنقل جلوس الخليفة من القاعة التي يدخل إليها من الدهاليز المظلمة إلى الإيوان في البراح والسعة‏.‏

فكان إذا دخل إلى الخليفة يدخل ومعه أولئك الذين انتدبهم كلهم فيجلس الخليفة في الشباك بالإيوان ويجلس هو من خارجه ومع هذا يبالغ في الخدمة ويظهر الطاعة ولا يخل بها في قول ولا فعل‏.‏

وكان للخليفة غلمان نحو الخمسمائة رجل يقال لهم صبيان الخاص وفيهم من هو أمير فبلغ ابن السلار أنهم قد تحالفوا وتعاقدوا على أن يهجموا عليه وهو في داره ليلاً ويقتلوه‏.‏

فلما كان في سادس عشري رمضان أغلق القاهرة والقصور وأحاط بصبيان الخاص وقتلهم وفر منهم عدة فكتب إلى الولاة بقتل من ظفر به منهم‏.‏

وأخذ يتبعهم حتى أتى على أكثرهم‏.‏

وأصل هذه الطائفة التي كانت تعرف بصبيان الخاص أن من مات من الأمراء والأجناد وعبيد الدولة وله ولد فإنه يحمل إلى حضرة الخليفة ويودع في أماكن مخصوصة ويؤخذ في تعليمه أنواع الفروسية من الرمي وغيره ويقال لهم صبيان الخاص‏.‏

وأخذ ابن السلار في الاحتفال بأمر عسقلان وسد خللها وحمل إليها من الغلال والأسلحة شيئا كثيرا‏.‏

وولي عضد الدولة ناصر الدين نصر بن عباس ربيبه مصر بشفاعة جدته أم عباس وكان فيه جرأة فاستدناه الخليفة الظافر وقربه واختص به‏.‏

وفيها قتل الموفق أبو الكرم محمد بن معصوم التنيسي في يوم الجمعة الرابع من شوال وكان يتولى نظر الديوان‏.‏

وذلك أن ابن السلار لما كان في بداية أمره من جملة الصبيان الحجرية دخل يوماً على الموفق بن معصوم برسالة وأعادها عليه مراراً وأغلظ له في القول فنفرت منه نفس ابن معصوم‏.‏

فكتب له مرة منشور بإقطاع وجاء به إلى ابن معصوم ليثبته‏.‏

فلما رآه تغافل عنه وأهمل أمره إهانةً له وكراهة فيه فقال له ابن السلار وقد تكرر سؤاله وهو يعرض عنه‏:‏ ما تسمع فقال له الموفق‏:‏ كلامك ما يدخل في أذني أصلاً‏.‏

فولى ابن السلار وخرج من غير أن يكتب له‏.‏

وصرف الدهر ضرباته وصار ابن السلار وزيراً وابن معصوم ناظر الدواوين فلما دخل عليه قال له‏:‏ يا قاضي ما أظن كلامي يدخل أذنك فتلجلج وقال‏:‏ عفو السلطان‏.‏

فقال‏:‏ قد استعملت العفو بخروجي من عندك‏.‏

وأشار لبعض خدمه فأحضر مسمارا حديدا عظيم الخلقة وقال‏:‏ والله هذا أعددته لك من ذلك الوقت‏.‏

وأمر به فجر وضرب المسمار في أذنه حتى نفذ من الأخرى وحمل إلى باب زويلة الأوسط ودق المسمار في خشبة وعلق عليها ميتا ثم أنزل بعد أيام‏.‏

وفيها رمي برأس سعيد السعداء الخادم من القصر في سابع عشر شعبان ثم أخرج وصلب بباب زويلة من ناحية الخرق‏.‏

وهو هذا الذي تنسب إليه دويرة سعيد السعداء التي هي اليوم خانقاه برحبة باب العيد‏.‏

وفيها قتل تاج الرئاسة ابن المأمون البطائحي في رابع عشر صفر‏.‏

وفيها مات أبو الحسن علي بن الحسن البيساني والد القاضي الفاضل عبد الرحيم ابن علي وكان قاضي بيسان والناظر فيها ومولده في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسمائة سنة خمس وأربعين وخمسمائة فيها أغار جمع كثير من الفرنج على الفرما ونهبوها وحرقوها وأخربوها في رجب سنة ست وأربعين وخمسمائة فيها جهز أبو منصور علي بن إسحاق المعروف بالعادل ابن السلار المراكب الحربية بالرجال والعدد وسيرها في ربيع الأول إلى يافا فأسرت عدةً من مراكب الفرنج وأحرقوا ما عجزوا عن أخذه وقتلوا خلقا كثيرا من الفرنج بها‏.‏

ثم توجهوا إلى ثغر عكا فأنكوا فيهم وساروا منه إلى صيدا وبيروت وطرابلس فأبلوا بلاءً حسنا وظفروا بجماعة من حجاج الفرنج فقتلوهم عن آخرهم‏.‏

وبلغ ذلك الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ملك الشام فعزم على قصد الفرنج ومحاربتهم في البر ولو قدر ذلك لقطع الله دابر الفرنج لكنه اشتغل بإصلاح أمور دمشق‏.‏

وعاد الأسطول مظفرا بعد ما أنفق عليه العادل ثلثمائة ألف دينار‏.‏

وسبب مسير الأسطول تخريب الفرنج للفرما‏.‏

وفيها قطع العادل بن السلار جميع الكسوات المقررة للناس في الدولة فعم ذلك الأمراء والدواوين سنة سبع وأربعين وخمسمائة فيها صرف ابن السلار أبا الفضائل يونس عن القضاء وكان من الأعيان النزهين الأنفس الكبيرين الهمم العظيمين القدر لم يشرب قط ماء النيل بل ماء الآبار ولم يأكل خبز السلطان‏.‏

وقرر عبد المحسن بن محمد بن مكرم من بعده ثم صرفه وولى بعده بدر بن ثمال بن نصير وقيل بل الذي تولى بعده أبو المعالي محمد بن جميع ابن نجا الدسوقي الشافعي‏.‏